بسم الله الرحمن الرحيم
في مساء العاشر من يونيو عام 1949، كانت مصر تشهد لحظة تأسيسية في تاريخ كرة القدم. عندما رفع لاعبو النادي الأهلي درع الدوري المصري لكرة القدم لأول مرة، لم يكن أحد يتخيل أن هذه اللحظة ستفتح باباً لعلاقة ممتدة عبر أكثر من سبعة عقود، علاقة جعلت السيطرة المحلية جزءاً أصيلاً من هوية وتاريخ القلعة الحمراء. من ذلك الموسم الافتتاحي إلى سلاسل الانتصارات المتتالية، ومواجهات القمة التي صارت أسطورة شعبية، رسم الأهلي ملامح الدوري المصري بمداد أحمر واضح وسيطرة غير متناهية.

هذه القصة ليست مجرد سجل ألقاب. هي حكاية نادٍ حول الاستقرار إلى عادة، والمنافسات إلى دافع، والفوز إلى تقاليد تُورَّث جيلاً بعد جيل. في السطور التالية نروي انطلاقة البطولات، تفاصيل أول لقب دوري ممتاز، أرقام مواجهات قمة الأهلي والزمالك التاريخية، وحكايات النصر من الخمسينيات حتى التسعينيات..
قصة أول لقب دوري كرة قدم في تاريخ الأهلي المصري
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الكرة المصرية في اشد الحاجة إلى عن إطار تنظيمي حديث. الإعلامي محمود بدر الدين طرح فكرة بطولة دوري منتظمة، ونجح في إقناع محمد حيدر باشا، رئيس اتحاد كرة القدم آنذاك، بجدواها. انطلقت النسخة الأولى موسم 1948-1949 بمشاركة أحد عشر فريقاً: الأهلي، الترسانة، الترام، المصري، بور فؤاد، فاروق (الذي أصبح الزمالك لاحقاً)، الاتحاد السكندري، الأوليمبي السكندري، الإسماعيلي، الاتحاد الرياضي اليوناني بالإسكندرية، والسكة الحديد.

بدأ الأهلي الموسم بثقة لافتة أداء مميز. في إحدى المباريات المبكرة اكتسح فريق اليونان السكندري بنتيجة 5-0. سجل أحمد مكاوي أول هدف للأهلي في تاريخ الدوري المصري الممتاز في الدقيقة الحادية عشرة، ثم أضاف هدفاً ثانياً، وتوالت الأهداف من حلمي أبو المعاطي ومحمد لهيطة وفتحي خطاب. كانت تلك المباراة إشارة مبكرة إلى أن المارد الأحمر يحمل مشروعاً مختلفاً عن مجرد المشاركة، بل السيطرة وإحراز البطولة.
تشكيلة ذلك الموسم جمعت بين الخبرة والطموح. لاعبين مميزين مثل حسين مدكور ومحمود حمدي كروان قادا الخطوط من الخلف، وكمال حامد حرس العارضة بثبات، بينما شكل أحمد مكاوي وفؤاد صدقي ومحمد أبو حباجة وحلمي أبو المعاطي ومحمد لهيطة وعبد العزيز همامي والسيد حسين عطية «توتو» وسيد عثمان وسيد بخيت ووديع عجوة العمود الفقري للفريق الأحمر. مختار التتش، الأسطورة التي سبق أن رفعت الألقاب كلاعب، قاد المجموعة فنياً ليحصد أول دوري في تاريخه كمدرب أيضاً.
استمر الموسم طويلاً ومليئاً بالمنافسات المشتعلة. في العاشر من يونيو 1949 واجه الأهلي اليونان السكندري مجدداً في مباراة مؤجلة من الدور الثاني، وفاز 3-1. سجل توتو هدفين، وأضاف حسين مدكور الثالث. قد أنهى الأهلي الترتيب في صدارة جدول الترتيب برصيد 29 نقطة، متقدماً على الترسانة الذي جمع 25 نقطة بعد مباراة فاصلة حسمت المركز الثاني. بهذا التتويج أصبح النادي الأهلي أول بطل رسمي للدوري المصري الممتاز لكرة القدم في تاريخه.

لم يتوقف الإنجاز عند درع الدوري الممتاز وحده. في الموسم نفسه حقق الأهلي الثنائية المحلية لأول مرة في تاريخ كرة القدم المصرية، عندما فاز بكأس مصر (كأس الملك فاروق آنذاك) على حساب فاروق (نادي الزمالك حاليا) بنتيجة 3-1 في الوقت الإضافي. كان ذلك الموسم إعلاناً واضحاً أن القلعة الحمراء جاءت لتبقى في الصدارة على المدى الطويل، لا لتزورها بين الحين والآخر.
في الموسم التالي 1949-1950 تعمقت السيطرة أكثر وأكثر. تعادل النادي الأهلي مع الترسانة في رصيد النقاط، فخاض الفريقان مباراة فاصلة انتهت بفوز المارد الأحمر 2-1 بأهداف كل من توتو وفتحي خطاب. فاز الأهلي أيضاً بدوري منطقة القاهرة وكأس مصر بنتيجة عريضة 6-0 على الترسانة. أصبح الموسم ثلاثياً محلياً كاملاً، وبدأ جيل الخمسينيات يضع بصمته بقيادة الأسطورة صالح سليم ورفاقه الذين حولوا الانتصار والسيطرة إلى عادة يومية داخل المستطيل الأخضر.
تاريخ أول مواجهات بين النادي الأهلي ونادي الزمالك

يعد ديربي القاهرة أكبر من مجرد مباراة كرة قدم. هو فصل مستمر في كتاب الوجدان المصري منذ أكثر من قرن. أول مواجهة ودية جمعت الفريقين كانت في التاسع من فبراير عام 1917 على ملعب نادي الزمالك، وانتهت بفوز الأهلي 1-0. أما أول لقاء رسمي فكان في كأس السلطان حسين عام 1924، وانتهى بالتعادل قبل أن يحسم الزمالك مباراة الإعادة لصالحه.
حقبة الخمسينيات إلى التسعينيات وحكايات نصر خالدة
حقبة الخمسينيات كانت عصر ذهبي للنادي الأهلي المصري بلا شك. من موسم 1948-1949 حتى 1958-1959 جمع الأهلي تسعة ألقاب دوري ممتاز متتالية تقريباً، مع مراعاة المواسم المتوقفة أو غير المكتملة مثل موسم 1951-1952 بسبب مشاركة مصر في الأولمبياد. في موسم 1956-1957 وصل الفريق إلى 40 نقطة لأول مرة في تاريخ المسابقة المحلية، متفوقاً بفارق تسع نقاط عن غريمه نادي الزمالك. في موسم 1958-1959 سجل هجوم الأهلي 55 هدفاً في 18 مباراة فقط، بفارق يفوق عشرين هدفاً عن أقرب منافسيه. كان جيل الأسطورة صالح سليم والشيخ طه إسماعيل وأحمد مكاوي وتوتو ورفعت الفناجيلي يسيطر على أرضية الملعب، مدعوماً بتنظيم إداري صلب جعل الاستقرار سمة مميزة للقلعة الحمراء في تلك السنوات.

في الستينيات استمر الحضور القوي رغم ظهور منافسين جدد. فاز النادي الأهلي بلقبي 1960-1961 و1961-1962، لكن نادي الزمالك والترسانة والأوليمبي والإسماعيلي اقتنصوا ألقاباً أخرى في مواسم متفرقة. اعتزل صالح سليم عام 1966 ليفتح صفحة إدارية طويلة خدمت النادي الأهلي لعقود لاحقة، محولاً خبرته الكروية الواسعة إلى رؤية مؤسسية وإدارية ساعدت على استمرار التفوق والازدهار.
بعد توقفات مؤلمة بسبب الحروب في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، عاد النادي الأهلي المصري بقوة لافتة في موسم 1974-1975. فقد سيطر على الدوري المحلي في سلسلة متتالية امتدت إلى أوائل الثمانينيات، مع لقب وحيد لنادي الزمالك في موسم 1977-1978. في موسم 1975-1976 حقق الفريق رقماً دفاعياً استثنائياً لا يزال يُذكرحتى الآن: هدفان فقط في الشباك من أصل 21 مباراة دون هزيمة واحدة. كان ذلك تعبيراً عن سيطرة وإكتساح كروي في تلك المرحلة من رياضة كرة القدم المصرية.

في الثمانينيات برز موسم 1984-1985 كأحد أجمل المواسم في تاريخ النادي الأهلي كله. فاز الأهلي بالدوري والكأس، واحتفظ بكأس الكؤوس الأفريقية للمرة الثانية على التوالي، محققاً أول ثلاثية محلية قارية في تاريخ الكرة المصرية. استمر التفوق في المواسم التالية 1985-1986 و1986-1987 و1988-1989، مع ألقاب متفرقة لمنافسين آخرين لم تمنع القلعة من البقاء في الصدارة معظم الوقت.
أما حقبة التسعينيات فكانت حقبة الاستعادة المطلقة والسيطرة المتجددة للمارد الأحمر. بعد ألقاب للنادي الإسماعيلي ونادي الزمالك في بداية العقد، عاد النادي الأهلي في موسم 1993-1994 بقيادة المدرب الإنجليزي ألان هاريس. حسم اللقب في مباراة فاصلة أمام الإسماعيلي بنتيجة 4-3، بفضل هاتريك رائع سجله محمد رمضان. ثم جاءت سبعة ألقاب متتالية من 1993-1994 إلى 1999-2000. كان ذلك تتويجاً لجيل جديد وإدارة مستقرة جعلت الدرع مقيماً شبه دائم في خزائن الجزيرة طوال السنوات الأخيرة من القرن العشرين..

هذه الحقب لم تكن مجرد سلاسل ألقاب تُحصى في الجداول ورسد في أرقام وروايات. بل كانت حكايات عن أجيال متعاقبة من اللاعبين، وقدرة على النهوض بعد التوقفات والحروب، واستقرار مؤسسي حول المنافسة إلى دافع دائم متجدد لا ينتهي. من صالح سليم إلى محمود الخطيب وأجيال متلاحقة بعد ذلك، ظل النادي الأهلي يكتب فصول السيطرة المحلية بمداد أحمر لا يبهت مع مرور الزمن والوقت.
سلاسل الانتصارات لا تنتهي
من أول درع رفعه لاعبو النادي الأهلي المصري في يونيو 1949، إلى سلاسل الانتصارات التي امتدت عبر خمسة عقود كاملة، رسم النادي الأهلي ملامح كرة القدم المصرية المحلية بوضوح لا لبس فيه. الأرقام تتحدث بصوت عالٍ: ألقاب الدوري والكأس والسوبر، تفوق تاريخي واضح في مواجهات القمة، وحقب متتالية من الهيمنة حولت الصدارة إلى عادة حمراء راسخة.

هذه المسيرة ليست سجل بطولات يُقرأ في الكتب فقط. هي قصة نادٍ عرف كيف يبني استمرارية عبر الأجيال المتتالية، وكيف يحول الدافع الجماهيري إلى تركيز داخل الملعب، وكيف يجعل الفوز جزءاً من هويته لا حدثاً استثنائياً يمر ويمضي. من مدرجات جماهير نادي الزمالك إلى كل الملاعب وكل المدن المصرية، ظل النادي الأهلي يذكر الجميع بأن السيطرة المحلية تُصنع بالصبر والتنظيم والانتماء قبل أي شيء آخر.
القراءات
وسوم
شارك باقي الأهلوية
شارك بتعليق
أحدث الأخبار
اكتب مقال.. وأربح جائزة..
لا تدع قلمك حبيساً ✍️..
أكتب رأيك، ونافس على لقب “أفضل كاتب أهلاوي” لهذا الشهر 🏆.. واقتنص الجائزة! 👕❤️..
