آراء أخرى للكاتب

الاحتراف في مواجهة الانتماء.. هل تهدم الإدارة روح الفانلة الحمراء؟

النادي الأهلي، عبر تاريخه الطويل يمثل حالة رياضية واجتماعية متكاملة، صنعت لنفسها شخصية خاصة داخل الملعب وخارجه، ولعل أكثر ما اختصر تلك الشخصية في وجدان جماهيره ما عُرف على امتداد أجيال بـ”روح الفانلة الحمراء”؛ تلك الروح التي جعلت لاعبا قد يكون أقل موهبة من منافسه أكثر قدرة على حسم مباراة، وجعلت الفريق في لحظات كثيرة يبدو وكأنه يملك لاعبا إضافيا لا يظهر في التشكيل، لكنه حاضر في كل التحامات الملعب وكل كرة مشتركة وكل دقيقة من دقائق المباراة.

هذه الروح لم تهبط على الأهلي من السماء، ولم تكن شعارا دعائيا تصنعه البيانات، وإنما تشكلت عبر عقود من العلاقة بين اللاعب والنادي.

أجيال ارتدت القميص الأحمر، فتعلمت أن النادي أكبر من كونه محطة في المسيرة الاحترافية، وأن النجومية لا تنتهي بانتهاء العقد، وأن هناك مساحة في العلاقة لا تحكمها الأرقام وحدها.

ومن هنا جاءت واحدة من أهم نقاط قوة الأهلي تاريخيا.. الانتماء الذي يتحول إلى التزام، والالتزام الذي يتحول داخل الملعب إلى بطولة.

لكن كرة القدم تغيرت، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، فقد دخل الاحتراف بكل قواعده، وتحولت الأندية الكبرى إلى مؤسسات ضخمة، وأصبحت عقود اللاعبين وحقوقهم التجارية والتسويقية وقيمتهم السوقية جزءا أصيلا من صناعة كرة القدم الحديثة، ولم يعد ممكنا إدارة ناد بحجم الأهلي بعقلية الهواية أو العاطفة وحدها.

المشكلة إذن ليست في الاحتراف!!

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحتراف إلى “علاقة تجارية باردة”، وتختفي خلف الأرقام تلك المساحة الإنسانية التي كانت تجعل اللاعب يشعر أن النادي بيته، وأن الدفاع عن قميصه يفوق  كونه بندا في عقد، وأن النادي في المقابل لا ينظر إليه باعتباره رقما قابلا للاستبدال متى انتهت فائدته الفنية.

وهنا تحديدا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل يمكن أن تحافظ الإدارة على منطق «البزنس» من دون أن تهدم الجسر الذي يصل اللاعب بالنادي؟

لأن اللاعب حين يرى النادي يتعامل معه بمنطق العرض والطلب فقط، فمن الطبيعي أن يبدأ هو الآخر في التعامل مع النادي بالمنطق نفسه، ويصبح السؤال: كم سأحصل؟ وما الذي يحصل عليه زميلي؟ وكم عرض النادي المنافس؟ وماذا سأربح إذا رحلت؟ وأين مستقبلي المالي؟

وعندما تصبح هذه هي اللغة الوحيدة المتداولة، فإن “الانتماء” يتحول بالتدريج من قيمة حقيقية إلى ورقة تفاوضية… وهنا تكمن الخطورة.

روح الفانلة لا تُشترى في سوق الانتقالات

روح الفانلة الحمراء كانت وينبغي أن تظل أكبر بكثير من نتاج للأموال، ولو كانت البطولات تُشترى بالرواتب وحدها، لكان أغنى الأندية في العالم هو الأكثر فوزا دائما، ولما بقي في كرة القدم مكان للمفاجآت أو التاريخ أو شخصية النادي.

الأندية الكبيرة تدفع الأموال، نعم، لكنها تدفع أيضا مقابل منظومة من القيم، وتاريخ من العلاقات، وشعور اللاعب بأنه جزء من شيء أكبر من عقده.

والأهلي تحديدا بنى جزءا كبيرا من قوته على هذه الفكرة.

لكن حين تتكرر أمام اللاعبين صورة زميل قدم سنوات طويلة، ثم وجد نفسه في نهاية الطريق أمام مفاوضات شاقة أو خطاب إعلامي قاس أو حملات جماهيرية، فإن الرسالة لا تصل إلى اللاعب المعني وحده، بل تصل إلى غرفة الملابس كلها.

اللاعب الشاب الذي يشاهد المشهد لا يسأل فقط: ماذا حدث لزميلي؟

بل يسأل في داخله: وماذا سيحدث لي عندما أصل إلى مكانه؟

ومن هنا تبدأ أزمة الانتماء.

ليس لأن اللاعبين أصبحوا ماديين فجأة، وليس لأن كل لاعب يضع المال فوق النادي، وإنما لأن المؤسسة نفسها حين تجعل المال والعقد والتفاوض هي اللغة الغالبة، فإنها لا تستطيع أن تطالب اللاعب وحده بأن يتعامل مع القميص باعتباره قضية عاطفية.

إنها معادلة بسيطة: إذا أردت من اللاعب أن يضع الأهلي أولا، فعليك أيضا أن تجعله يشعر أن الأهلي يضعه في اعتباره عندما يستحق ذلك.

الحضري.. قصة الحارس التي لم تنتهي بانتهاء الخلاف

من أكثر الملفات التي تستحق التوقف أمامها قصة عصام الحضري، أحد أبرز حراس المرمى في تاريخ الكرة المصرية، وأحد الأسماء التي ارتبطت بمرحلة ذهبية في تاريخ الأهلي والمنتخب المصري.

قد يختلف الناس حول شخصية الحضري، وقد يختلفون حول بعض قراراته ومواقفه، لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة إسهاماته الرياضية الكبيرة.

كان الحضري في مرحلة من مراحل الأهلي رمزا للقوة والتألق، ومن الصعب قراءة بطولات جيله من دون استحضار حضوره في حراسة المرمى.

ولهذا فإن القضية هنا ليست الدفاع عن الحضري كشخص، بقدر ما هي التساؤل عن كيفية إدارة الخلاف بين النادي وأحد أهم عناصره.

فالمدير الفني يملك، بلا شك، حق اتخاذ القرارات الفنية والانضباطية، واللاعب ليس فوق اللوائح، لكن المؤسسة الكبيرة لا تكتفي دائما بتطبيق العقوبة؛ وإنما تبحث أيضا عن إدارة الأزمة.

كان يمكن، في كثير من الحالات، أن يكون الحوار أكثر اتساعا، وأن تتدخل الإدارة باعتبارها الطرف الذي يستطيع الفصل بين المدير الفني واللاعب، وأن تحافظ على هيبة الجهاز الفني من جهة، وعلى كرامة اللاعب ومكانته من جهة أخرى.

فالأندية الكبرى لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة المخطئ، وإنما أيضا بقدرتها على احتواء أزماتها قبل أن تتحول إلى قطيعة.

والدرس الأهم الذي تركه ملف الحضري لم يكن متعلقا بحارس مرمى بعينه، وإنما بالرسالة التي تصل إلى الأجيال التالية: ماذا يحدث للاعب الذي يمنح النادي سنوات عمره ثم يدخل في خلاف مع أحد أركان المؤسسة؟

هذه الرسالة، في حد ذاتها، جزء من صناعة الانتماء.

عبد الله السعيد.. ضريبة التأخير

ثم جاء ملف عبد الله السعيد في عام 2018، ليقدم نموذجا آخر أكثر وضوحا على خطورة إدارة ملفات التجديد في اللحظات الأخيرة.

كانت القضية شديدة التعقيد، ولا يصح اختزالها في أن اللاعب أراد المال أو أن الإدارة أخطأت وحدها؛ فقد شهد الملف تفاوضا متشابكا، وتوقيعا للاعب مع الزمالك، ثم تجديدا لعقده مع الأهلي، قبل أن يقرر الأهلي تسويقه، وانتهى الأمر بانتقاله إلى أهلي جدة. وتؤكد الوقائع المنشورة آنذاك أن السعيد حصل على 40 مليون جنيه عند توقيعه للزمالك، ثم أعاد المبلغ لاحقا عبر اتحاد الكرة بعد فشل انتقاله.

لكن بعيدا عن تفاصيل الأزمة، يبقى أحد الدروس المهمة: لا تؤجل ملف لاعب مؤثر إلى أن يصبح الوقت نفسه طرفا في التفاوض.

فعندما يصل اللاعب إلى الأشهر الأخيرة من عقده، تتغير قواعد اللعبة، ويصبح قادرا على الاستماع إلى عروض الآخرين، وتتسع أمامه الخيارات، ويتحول النادي من صاحب اليد العليا إلى طرف في سوق مفتوحة.

والأخطر من ذلك أن الاعتماد على “الانتماء” وحده في حسم التفاوض قد يكون مغامرة غير محسوبة.

فالمؤسسة الاحترافية لا تفترض أن اللاعب سيرفض عرضا أكبر لمجرد أنه لعب سنوات في النادي، كما لا تفترض أن التاريخ وحده يمكن أن يحسم مفاوضة مالية.

وقتها أعلن الأهلي أنه قدم عرضا ماليا وصفه بالأعلى لكل من السعيد وأحمد فتحي بما يتناسب مع نجوميتهما ومكانتهما بين زملائهما، لكن الأزمة التي اندلعت بعد ذلك كشفت أن المسألة لم تكن أرقاما فقط، وإنما توقيتا وتفاوضا وإدارة للعلاقة والثقة أيضا.

وهنا تأتي واحدة من أخطر قواعد الإدارة الرياضية الحديثة: لا تترك اللاعب يصل إلى لحظة يشعر فيها أن مستقبله أصبح معلقا بين رغبة النادي ورغبته هو في تأمين مستقبله.

لأن الفراغ الذي تصنعه المفاوضات البطيئة لا يبقى فراغا، فهناك دائما من يملؤه.

أحمد فتحي.. اختلاف تحول إلى جرح في غرفة الملابس

قصة أحمد فتحي أكثر تعقيدا، لأنها تتعلق بلاعب يحمل تاريخا كبيرا مع الأهلي، وارتبط اسمه بسنوات من الإنجازات والقيادة والقتال داخل الملعب.

والأهم أن الوقائع المنشورة في ذلك الوقت لا تدعم اختزال القصة في أن الأهلي لم يمنحه أي تنازل؛ فقد ذكرت تقارير أن الأهلي عرض عليه التجديد، كما عُرض إعفاؤه من نسبة المشاركة، وهي النقطة التي كانت تمثل أحد محاور الخلاف.

إذن، لم يكن المشهد مجرد “لاعب باع الأهلي من أجل المال”، كما قد يوحي الخطاب الجماهيري الغاضب في لحظات الانفعال.

كان هناك لاعب في نهاية مسيرته، وهناك عرض منافس، وهناك اختلاف حول شروط العقد، وهناك تقدير شخصي لقيمة اللاعب لم يكن متطابقا تماما بين الطرفين.

وهذه هي طبيعة الاحتراف.

لكن المشكلة الأكبر تبدأ عندما تتحول الخلافات التعاقدية إلى معركة جماهيرية.

فاللاعب الذي يقضي سنوات في غرفة ملابس واحدة مع زملائه لا يعيش في جزيرة منفصلة، وكل رسالة تصل إليه تصل في الوقت نفسه إلى زملائه، حتى لو لم يتحدثوا عنها علنا.

وعندما يرى اللاعبون أن زميلا وقائدا تاريخيا تحول في لحظة إلى مادة للهجوم، فإنهم لا يرون فقط ما حدث لأحمد فتحي؛ وإنما يرون صورة محتملة لما قد يحدث لهم يوما.

وهنا يصبح استخدام الإعلام والجمهور في ملفات التفاوض شديد الحساسية.

لأن المؤسسة تستطيع أن تكسب معركة بيانات، لكنها قد تخسر شيئا أعمق بكثير: الثقة داخل غرفة الملابس.

رمضان صبحي.. الثقة في اللاعب لا تغني عن تأمين الصفقة

ثم جاء ملف رمضان صبحي في صيف 2020، وكان من أكثر الملفات التي هزت وجدان جماهير الأهلي، لأن اللاعب كان ينظر إليه باعتباره أحد أبناء النادي ومستقبله.

ولا يمكن إنكار أن قرار رمضان بالانتقال إلى بيراميدز تسبب في صدمة جماهيرية كبيرة، خصوصا بعد ما ارتبط اسمه لسنوات بالأهلي، لكن قراءة الملف من زاوية إدارية تكشف عن درس مختلف.

الثقة في رغبة اللاعب لا ينبغي أن تكون بديلا عن الإجراءات القانونية والتعاقدية.

في كرة القدم الحديثة، لا يكفي أن يقول اللاعب إنه يريد البقاء، ولا يكفي أن تكون هناك علاقة جيدة بينه وبين النادي، ما لم تتحول الرغبة إلى اتفاق ملزم، فإنها تظل رغبة قابلة للتغير تحت تأثير الظروف والعروض والضغوط.

وهذه ليست إدانة للاعب بقدر ما هي قاعدة في الإدارة.

فالإدارة المحترفة لا تبني قراراتها على الأمنيات.

إنها تبنيها على العقود.

وكانت الصدمة في رمضان صبحي أكبر لأن الأهلي دخل في منافسة مالية انتهت بتقدم بيراميدز، بينما أصبحت قضية شراء عقد اللاعب من هيدرسفيلد الإنجليزي سباقا في السوق بعد انتهاء فترة الإعارة.

وفي مثل هذه الملفات، لا يكفي أن يكون اللاعب راغبا في الاستمرار؛ بل يجب أن تكون المؤسسة قد حصنت موقفها منذ اللحظة الأولى، سواء من خلال شروط تعاقدية مناسبة أو من خلال سرعة اتخاذ القرار أو من خلال إدارة المفاوضات بعيدا عن الضغوط الإعلامية.

فاللاعب قد يغير رأيه، والسوق قد تتغير، والنادي المنافس قد يظهر بعرض جديد.

أما العقد فلا يغير رأيه.

الإعلام.. اقتحام غرفة الملابس من الأبواب الخلفية

وهناك خطأ آخر يتكرر في كثير من ملفات الأهلي، وهو تحويل المفاوضات التعاقدية إلى مادة يومية في الإعلام.

الأرقام، والتسريبات، والحديث عن سقف الرواتب، ومقارنة اللاعب بزملائه، ونقل تفاصيل الجلسات، ثم التعليق الجماهيري على كل خطوة؛ كل ذلك يجعل المفاوضة الخاصة معركة عامة.

واللاعب الذي كان يجلس أمام مسؤول النادي لمناقشة مستقبله، يجد نفسه في اليوم التالي أمام آلاف التعليقات التي تتهمه بالطمع أو المبالغة أو عدم الانتماء.

في هذه اللحظة لا تعود المفاوضات مفاوضات.

تصبح معركة كرامة.

وهنا يفقد الطرفان القدرة على التراجع خطوة إلى الوراء دون أن يبدو التراجع هزيمة.

الإدارة تريد الحفاظ على صورتها أمام الجمهور، واللاعب يريد الحفاظ على صورته أمام الجمهور أيضا، ووكيل اللاعب يراقب السوق، والمنافسون يراقبون سقف الأهلي، والجمهور ينتظر البيان التالي.

وفي النهاية، قد تكون هناك صفقة كان يمكن إتمامها في غرفة مغلقة، لكنها تفشل لأن الجميع أصبح يلعب أمام الجمهور.

وهذه واحدة من أخطر نتائج الإدارة الإعلامية غير المنضبطة لملفات التعاقدات.

محمد هاني وياسر إبراهيم.. هل يتكرر السيناريو؟

الآن تعود القضية إلى الواجهة من جديد مع ملفي محمد هاني وياسر إبراهيم، خاصة أن عقدي اللاعبين يمتدان حتى نهاية الموسم الجاري، بينما قدم الأهلي عرضا أخيرا بقيمة 25 مليون جنيه راتبا سنويا، إضافة إلى 10 ملايين مرتبطة بتحقيق البطولات، مع تمسك الإدارة بموقفها وعدم إلغاء بند نسبة المشاركة أو تقديم ترتيبات إضافية خارج العقد. وفي المقابل، يأمل اللاعبان في استمرار التفاوض والوصول إلى صيغة تسمح باستمرارهما مع الفريق.

وهنا ينبغي التوقف.

فليس المطلوب أن تدفع الإدارة أي مبلغ يطلبه اللاعب، وليس الاحتراف أن يصبح النادي أسيرا لمطالب نجومه، كما أن الحفاظ على سقف مالي داخل غرفة الملابس مسألة إدارية مشروعة ومهمة، لأن كسر هيكل الرواتب دون حساب قد يصنع مشكلات أكبر في المستقبل.

لكن في المقابل، فإن إدارة السقف المالي شيء، وإدارة العلاقة الإنسانية شيء آخر.

يمكن للإدارة أن تقول للاعب: هذا هو سقفنا.

لكن ينبغي أن تقولها بطريقة تجعل اللاعب يشعر أن تقديره محفوظ، حتى لو لم يحصل على كل ما يطلبه.

يمكنها أن ترفض إلغاء بند في العقد، لكن دون أن يتحول الرفض إلى رسالة مفادها أن تاريخ اللاعب لا قيمة له.

ويمكنها أن تتمسك بسياسة مالية واحدة، لكن عليها أن تدرك أن العدالة ليست دائما مساواة حسابية بين الجميع، فهناك فارق بين لاعب شاب في بداية طريقه ولاعب قضى سنوات من عمره يحمل القميص وشارك في صناعة بطولات النادي.

والأهم أن الملفات الكبرى لا ينبغي أن تصل إلى الأشهر الأخيرة ثم تبدأ معها مفاوضات الأعصاب.

لأن كل يوم يمر دون حسم يفتح نافذة جديدة للمنافسين.

الأهلي لا يحتاج إلى العودة للماضي.. لكنه يحتاج إلى فهمه

لا أحد يطالب الأهلي بأن يعود إلى زمن ما قبل الاحتراف، ولا يمكن إدارة مؤسسة رياضية بهذا الحجم بعقلية “الحب وحده يكفي”

اللاعبون محترفون، والأندية مؤسسات، والمال جزء أصيل من كرة القدم الحديثة.

لكن الاحتراف الحقيقي لا يعني قتل الانتماء.

على العكس، الاحتراف الناجح هو الذي يعرف كيف يحول الانتماء إلى قيمة مؤسسية.

أن يشعر اللاعب أن النادي يحترم عقده، ويحترم تاريخه، ويحترم طموحه، وفي الوقت نفسه يحافظ على حقوقه وسقف رواتبه ومصالحه.

أن يعرف اللاعب أن الرحيل حق احترافي، لكن البقاء ليس تضحية مجانية.

أن يعرف النادي أن اللاعب ليس ملكا له، لكن أن يعرف اللاعب أيضا أن القميص ليس مجرد محطة مؤقتة في سيرته الذاتية.

وهنا يصبح على الإدارة أن تفرق بين الاحتراف الذي ينظم العلاقة، والاحتراف الذي يفرغها من معناها.

فإذا تعاملت الإدارة مع اللاعب باعتباره رقما، فلا ينبغي أن تتفاجأ عندما يتعامل اللاعب مع النادي باعتباره رقما في دفتر العروض.

وإذا أرادت من اللاعب أن يتذكر أن الأهلي هو الأهلي، فعليها هي أيضا أن تتذكر أن بعض اللاعبين لم يكونوا مجرد أسماء مرت على قائمة الفريق، وإنما كانوا جزءا من ذاكرته.

الانتماء لا يُفرض بقرار إداري، ولا يُكتب في العقود، ولا تصنعه البيانات الصحفية.

إنه إحساس يتكون ببطء، عبر سنوات من الاحترام المتبادل.

وقد يستغرق النادي عشر سنوات ليصنع لاعبا يشعر أن القميص جزء من هويته، لكنه قد يحتاج إلى موقف واحد فقط كي يهدم هذا الشعور لدى جيل كامل.

ولهذا فإن القضية في النهاية ليست: كم سيدفع الأهلي لمحمد هاني؟ وكم سيدفع لياسر إبراهيم؟

القضية الأعمق هي:كيف تفاوض الأهلي مع أبنائه، وكيف تجعل هذه المفاوضات القادمة تقول للاعبين جميعا إن الاحتراف لا يعني أن ينتهي الانتماء؟

فالأهلي يستطيع أن يخسر لاعبا ويعوضه بلاعب آخر.

وقد يخسر نجما ويصنع نجما جديدا.

وقد يعوض أي مركز فنيا بعد موسم أو موسمين.

لكن هناك شيئا أصعب كثيرا في التعويض:

أن يشعر اللاعب الذي يرتدي الفانلة الحمراء أن هذه الفانلة مجرد وظيفة.

وحين تصل كرة القدم إلى هذه النقطة، فإن الخطر لا يكون في رحيل لاعب أو خسارة صفقة، وإنما في أن تبدأ «روح الفانلة الحمراء» نفسها في فقدان أحد أهم أسرار قوتها: الإحساس بأن هذا القميص يستحق أن تقاتل من أجله، وأن النادي الذي تطلب منك أن تنتمي إليه يعرف أيضا كيف ينتمي إليك.

0 0 تصويتات
تقييم الأهلاوية

القراءات

49

وسوم

شارك باقي الأهلوية

شارك بتعليق

اشترك
أبلغني بـ
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتًا

ترند الأخبار

0
رأيك يهمنا يا أهلاوي، شاركنا بتعليقك.x
()
x