بسم الله الرحمن الرحيم
بين قسوة وائل الناقد وحزن وائل المسؤول
النقد ليس عدوا للنجاح، ولا خصما للاستقرار، ولا مؤامرة تُحاك ضد أحد، بل إن الكيانات الكبيرة تحديدا هي الأكثر احتياجا إلى النقد؛ لأنها الأكثر تعرضا لخطر الاطمئنان إلى الاسم والتاريخ والنجاحات السابقة، والأكثر حاجة إلى من يذكرها بأن الماضي العظيم لا يشفع للحاضر المتعثر.
ولهذا؛ فإنني انزعجت واستغربت أن يخرج وائل جمعة، مدير الكرة بالأهلي، بعد الفوز على أبو قير للأسمدة، ليعبر عن حزنه من بعض المنتقدين لأداء النادي الأهلي وأجهزته ولاعبيه خلال الفترة الماضية، مطالبا بمنح الجهاز الوقت اللازم للانسجام والتفاهم، ومؤكدا أن عودة الأهلي إلى مستواه لن تحدث في يوم وليلة.
الكلام في ذاته قد يكون مفهوم ومقبول، بل إن جزءا منه منطقي، فأي جهاز فني جديد يحتاج إلى وقت، وأي مجموعة لاعبين تحتاج إلى الانسجام، ولا يوجد فريق يصل إلى أفضل حالاته الفنية بمجرد تولي إدارة جديدة المسؤولية.
إذن انزعاجي ليس من كلام وائل.. انزعاجي من وائل نفسه!
فهل نسي وائل جمعة الإداري سريعا وائل جمعة الناقد والمحلل؟ هل نسي وائل الذي جلس لسنوات أمام كاميرات «بي إن سبورتس»، ممسكا بمشرط النقد، لا يتردد في فتح ملفات الأهلي ومدربيه ولاعبيه وإدارته، وأحيانا بعبارات كانت أقسى بكثير مما يقال عن الفريق الحالي؟
هل نسى وائل بيتسو موسيماني عندما كان مدربا للأهلي، وقتها لم يعتبر وائل نقده القاسي المستمر خطرا على الاستقرار، ولم يطلب من الجميع الصمت قليلا لأن موسيماني حقق بطولات ويحتاج إلى المساندة، بل إنه عاد لاحقا ليشرح بنفسه أسباب انتقاداته لموسيماني، مؤكدا أن تحقيق البطولات لا يمنع المطالبة بطريقة لعب جيدة تُمتع الجماهير.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة؛ فإذا كان من حق الناقد وائل أن يقول إن البطولات والنتائج وحدها لا تكفي، وإنه لا بد أن يكون للأهلي مستوى فني يليق باسمه وإمكاناته، فلماذا يصبح الآن من ينتقد الأداء العشوائي اليوم متعجلا أو مفتريا؟
أتذكر في نهاية الموسم الماضي، كان وائل ينتقد إدارة الأهلي وسياسة التعاقدات وتغيير المدربين، وتحدث عن تعاقدات مع لاعبين غير مدروسة، أو لا تتم الاستفادة منهم بالشكل المطلوب، وبعد الخروج الإفريقي أمام الترجي، ذهب لأبعد من ذلك، فانتقد المنظومة الفنية والإدارية واللاعبين، ورأى أن المسؤولية مشتركة بين الجميع بدون استثناء، واعتبر أن ذلك حقه كمحلل.
وقتها كنت أتفهم هذا النقد – حتى عندما كان قاسيا – انطلاقا من افتراض أن وائل جمعة ابن الأهلي، وأن غايته أن يرى ناديه أفضل ما يكون، فلماذا لا يمنح الناقد السابق وائل الافتراض نفسه للآخرين اليوم؟ فالقاعدة تقول أن الحق لا يتغير بتغير المواقع، وأن المبادئ لا تتبدل لمجرد جلوس الأشخاص على كراسي المسؤولية، والنقد جزء أصيل من ذلك.
لماذا أصبح نقد الأداء العشوائي، واللعب الارتجالي، وسوء الانتشار، وعدم وجود خطط مطبقة واضحة، وعدم استغلال وتوظيف قدرات اللاعبين، والثغرات الدفاعية، وعدم النجاعة الهجومية، وقبل كل ذلك كله افتقاد روح الفانلة الحمراء والهوية الفنية، لماذا يعتبر كل ذلك هجوما على الفريق، بينما كان النقد الحاد من داخل الاستوديو حرصا على مصلحة الأهلي؟ خاصة عندما يجتمع أبناء الأهلي ومحبيه على هذه السلبيات الواضحة للجميع.
من المنصف أن أقول إن موسم الأهلي لم يبدأ بكارثة نتائج، فالفريق فاز في أربع من أول خمس مباريات بالدوري وتعادل في واحدة، لكن من الواجب أيضا أن أقول أن هذا ليس الأهلي الذي نعرفه ونتمناه، فكرة القدم ليست لوحة نتائج فقط وجدول ترتيب.
الحسين عموتة نفسه لم ينكر وجود الأخطاء والمشكلات، قال بوضوح بعد خسارة نقطتين دون أي مبرر أمام المقاولون العرب، قال: إن الفريق لم يبدأ المباراة بصورة مثالية، وإن الجميع أخطأ، وإن الأداء لم يكن جيدا، وبعد الفوز الأخير قال إن الجهاز يعمل باستمرار على علاج الأخطاء، إذن وجود الأخطاء ليس اختراعا إعلاميا ولا مؤامرة مفتراه من أحد.
أنا لا أطالب وائل بأن يهاجم الجهاز الذي يعمل معه، ولا أن يكشف أسرار غرفة الملابس، ولا أن يتحول مدير الكرة إلى ناقد ومحلل، المطلوب أبسط من ذلك بكثير، المطلوب أن يتقبل من الآخرين الدور نفسه الذي مارسه لسنوات، فالنقد الذي كان مشروعا عندما كان وائل جمعة يجلس خلف شاشة «بي إن سبورتس» لا يصبح فجأة خطأً عندما ينتقل إلى مكتب مدير الكرة بالأهلي.
وإذا كان وائل قد طالب في الماضي الأهلي ومدربيه ولاعبيه بأن يتحملوا ضغط النادي ونقد جماهيره وإعلامه، فمن الطبيعي أن نطالبه الآن بتحمل هذا الضغط بعدما أصبح جزءا من المنظومة المسؤولة عن الفريق، بل إن وائل نفسه قال بعد مباراة أبو قير إن من يرتدي قميص الأهلي ولا يستطيع تحمل الضغوط سيكون وضعه صعبا داخل الفريق، وعليه فنحن نطالبه شخصيا بأن يكون أول المتحملين لهذه الضغوط.
الأهلي لم يصنع تاريخه لأن الجميع كانوا يصفقون دائما، وإنما لأن سقف الطموح داخله كان مرتفعا إلى درجة أن الفوز نفسه لم يكن في أحيان كثيرة كافيا إذا جاء بأداء لا يليق بالفريق.
قد يخطئ الناقد في تقديره، مثلما يخطئ المدرب واللاعب والمسؤول، والرد الطبيعي على النقد يكون بالعمل داخل المستطيل الأخضر، لا باعتبار مجرد النقد إساءة أو افتراء.
نحن نحترم وائل اللاعب صاحب رصيد البطولات الكبير، ونحترمه كمحلل وناقد له رؤية، والآن على وائل أن يثبت لنا أنه جدير بالاحترام كمدير للكرة بأعظم نادي في الكون، وأن يعلم بأن الاحترام لا يعني تعطيل النقد، ولا الصمت، فمن أحب الأهلي حقا لا يطالبه بالفوز فقط، وإنما يطالبه دائما بأن يكون أفضل.
يا وائل، لا تغضب من النقد، فقد كنت يوما أحد أشهر من يمارسونه، وكنا نستمع إليك وقد نختلف معك أحيانا، لكننا لم نطالبك بالصمت والصبر، واليوم وقد انتقلت من مقعد الناقد إلى مقعد المسؤول، أصبح دور الآخرين أن ينتقدوا، ومن واجبك أن تستمع.
القراءات
وسوم
شارك باقي الأهلوية
شارك بتعليق
