بسم الله الرحمن الرحيم
حدوتة أهلاوية: على مقياس جوزيه
إن ما حدث على ستاد القاهرة في 16 مايو 2002 لم يكن فلتة كروية أو حدثًا مباغتًا قدر ما كان نتاج فكر وتخطيط وإعداد مسبق، تجلى في ذلك المساء على هيئة سيمفونية كروية أهلاوية، وملحمة من ملاحم السطوة والتجليات للمارد الأحمر، لقنت المنافس التقليدي درسًا أطرب الجماهير، وسجلته عدسات الكاميرات، وتناقلته وكالات الأنباء في ربوع المعمورة، ودونته سجلات التاريخ الكروي نقشًا بارزًا، إذ كان الدرس قاسيًا والرد على هزيمة الدور الأول 1/ 2، يومها خرجت الجماهير الأهلاوية -يعانق هتافها السماء – راضية مرضية، عن سحرة الفريق الذين أمطروا شباك الخصوم بزخات مما جادت به أقدامهم، منتشية بالفوز الثقيل 6/1 على غريم كان قد ملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا، يود لو تحقق له حلم الفوز بالدوري العام مرة أخرى، وتناسى أن النسر الأحمر لا يرتضى بغير القمة بديلًا، أما قائد تلك الزمرة من اللاعبين، أو كبيرهم الذي علمهم السحر فكان البرتغالي “مانويل جوزيه” الذي خرج معنفًا لاعبيه على إهدار الكثير من الأهداف، معربًا عن رغبته في تحقيق المزيد من الأهداف التي كانت في المتناول.
كانت الادارة الأهلاوية قد وضعت ذلك الساحر تحت المجهر، وسبقته سيرته كلاعب من مواليد 9 أبريل 1946 لعب في أندية بنفيكا، بيرا مار، وبيلينينسش، وفارزيم، وكانت بداية مسيرته التدريبية مع “سبورتنج إسبيينيو” من فرق الدرجة الثانية، وصعد به إلى الدوري البرتغالي الممتاز، وحقق معه أفضل مركز في تاريخ النادي موسم 1987- 1988 باحتلال المركز السادس، كما درب “فيتوريا جيماريش” وقاده لتحقيق المركز الرابع، والصعود لأول مرة في تاريخه لكأس الاتحاد الأوروبي، وقاد “بورتيمونينسي” للوصول لكأس الاتحاد الأوروبي بعد احتلال المركز الخامس في الدوري، وكانت تجربته مع “سبورتنج لشبونة” ثرية للغاية، وحقق مع “بوافيستا” أبرز ألقابه المحلية في منتصف الثمانينات، وحاز كأس البرتغال موسم 1991-1992، وتولى الكابتن محمود الخطيب ملف جوزيه ومهمة التعاقد معه بعد أن لمس بصمته المميزة في تدريب الكثير من الأندية، وتولى جوزيه تدريب الأهلى للمرة الأولى عام 2001 ولكنه رحل بعد عام جراء اختلاف وجهات النظر، رغم تحقيقه بطولة دورى أبطال أفريقيا والسوبر الأفريقى، ثم عاد 2004 ليحصد العديد من البطولات والإنجازات على المستوى المحلى والقارى والعالمى.
حكاية جوزيه كانت ولا تزال مضرب المثل بين من تولوا مهمة تدريب الشياطين الحمر بعد فوزه ببطولة الدورى العام أربع مرات أعوام، منذ 2005، وبطولتي كأس مصر 2006، 2007، وأربع بطولات كأس السوبر المصرى، وأربع بطولات دورى أبطال إفريقيا 2001، 2005، 2006، 2008، وأربع بطولات السوبر الإفريقى أعوام 2002، 2006، 2007، 2009.، وثلاث بطولات كأس العالم للأندية، ليحصل في المشاركة الأولى على المركز السادس، وفى الثانية على المركز الثالث والميدالية البرونزية، وفى الثالثة على المركز السادس، وأطلقت جماهير الأهلى العديد من الألقاب على “جوزيه”، منها “الملك، العبقري، الساحر، الأسطورة، وش السعد” ولا زالت إلى يوم الناس هذا تضع أي مدرب جديد يتولى مهام الجهاز الفني على مقياس “جوزيه” على الرغم من اختلاف الظروف والامكانات وما جد في عالم التدريب، تناست تلك الجماهير أن رحلة جوزيه مع النسر الأحمر استغرقت وقتًا طويلاً إلى أن تحقق ذلك التجانس الكبير، من خلال الجهد والعرق والإصرار على تنفيذ ما يراه المدرب بمعاونة جهاز فني كفء، وزمرة منتخبة من اللاعبين الذين اختارهم بعناية لتدعيم الفريق، ظلت تلك الزمرة قوام المنتخب الوطني لسنوات وحققت معه ثلاثة ألقاب قارية متتالية، لا ينكر غير جاحد دور جوزيه في رفد المنتخب الوطني بأولئك الأبطال الذين عهد إليهم بتنفيذ أصعب المهام والعمليات الكروية.
الحديث عن مانويل جوزيه يقودنا إلى حديث آخر عن “الحسين عموتة” المدرب المغربي المولود في 24 أكتوبر 1969 وكان يلعب في مركز وسط الملعب، ومسيرته الكروية في المغرب والخليج العربي حافلة، وشارك منتخب بلاده في الألعاب الأولمبية الصيفية 1992، وهو الآن على سدة الجهاز الفني للنادي الأهلي، منذ منتصف يونيو 2026، بعقد يمتد لموسمين، ولكن ما حدث كان مختلفًا بعض الشيء، فمنذ بداية الموسم والجماهير في عجلة من أمرها لتحقيق الفوز بالمباريات، إلى جانب المطالبة بتحقيق أداء يرضيها ويمتعها، يليق بفريق يضم بين صفوفه كوكبة من كبار النجوم، وتلك هي المعادلة الصعبة التي تتطلب صبرًا ومساندة ودعمًا غير تقليدي في ظل تتابع المباريات، وعدم التعرف التام على نقاط القوة والضعف لدى المنافسين، الأمر الذي يتطلب بعض الوقت، لاسيما أن أهم ما يركز عليه عموته وجهازه في الفترة الراهنة حصد النقاط أولًا، وهو أمر من شأنه تحقيق الهدوء الداخلي للفريق وجهازه، فضلأ عن جماهيره المتعطشة إلى حصد بطولات تعوض إخفاقات الموسم الماضي، ويعلم عموتة أن مسيرته الحافلة بالإنجازات، لن تشفع له عند جماهير الأحمر، بما في ذلك فوزه مع الوداد المغربي بالدوري وتحقيقه البطولة الإفريقية، وتحقيقه كمدرب للمنتخب المغربي بطولة أمم إفريقيا للمحليين 2020، وتأهله بالمنتخب الأردني للمشاركة ببطولة كأس آسيا 2023، وحصوله على المركز الثالث في دور المجموعات، وغير ذلك من الإنجازات، كل ذلك لن يقنع الجماهير الأهلاوية بشيء، ما لم تلمس وترى بنفسها شيئًا من ذلك في حلبة المنافسة، نعم حصد الأهلي تحت قيادة عموتة 13 نقطة خلال مواجهات خمس ببطولة الدوري، بالتساوي مع نادي الزمالك، وبفارق نقطتين عن “بيراميدز”، إلا أن مساندة الجماهير له لا تزال مشوبة بالحذر، وإذا كان عموتة قد طالب إدارة الأهلي بضرورة حسم صفقتين دفاعيتين خلال فترة الانتقالات الشتوية في يناير المقبل، لتلافي النقص بخط الدفاع، في ظل الإصابات التي لحقت به مؤخرًا، فإن الوضع يشير إلى أن تصحيح الأخطاء وتثبيت التشكيل وتجهيز البدلاء الأكفاء أمر جيد، وهو ما ستبدو بعض أثاره عقب فترة التوقف الدولي ولقاء الزمالك بالدور الأول، ولأن الطريق لا يزال طويلًا تبدو الخلاصة في أهمية الصبر على مدرب كفء لا زال في جعبته الكثير، مما يضيف إلى مشواره التدريبي، وبما يليق وصرح الأهلي الشاهق، وجمهوره العظيم، وعلى طريقة ومقياس الساحر جوزيه.
القراءات
وسوم
شارك باقي الأهلوية
شارك بتعليق
