بسم الله الرحمن الرحيم
آراء أخرى للكاتب
تراجع الأهلي.. أزمة قرارات لا أزمة لاعبين
ليس كل تراجع في نتائج فريق كبير دليلا على أن لاعبيه فقدوا القدرة، وليس كل أداء باهت يمكن تفسيره بإن العناصر الموجودة في الملعب لا تملك الجودة الكافية، فأحيانا تكون المشكلة أعمق من أقدام اللاعبين، وأكبر من خطأ تمريرة أو ضياع فرصة، لأنها تبدأ من المكان الذي تُصنع فيه القرارات قبل أن تبدأ المباراة أصلا.
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أمام ما يمر به الأهلي في المرحلة الأخيرة، بعد الأداء الباهت الذي قدمه الفريق أمام المقاولون العرب، حيث بدت المباراة وكأنها صورة مكثفة لأزمة ممتدة منذ فترة.
فريق يحمل تاريخ الأهلي وثقله وشخصيته لم يظهر بالهيئة التي اعتادها جمهوره؛ لا سيطرة حقيقية على إيقاع اللعب، ولا ضغط منظم، ولا أفكار واضحة في بناء الهجمة، ولا قدرة مستمرة على فرض الشخصية الفنية على المنافس.
والأهم من ذلك أن المشكلة لم تكن في لاعب واحد يمكن تحميله المسؤولية، ولا في مركز بعينه يمكن إصلاحه بتغيير محدود، وإنما في مجموعة من القرارات التي صنعت، مع مرور الوقت، حالة من الارتباك الفني والإداري انعكست بصورة مباشرة على المستطيل الأخضر.
مباراة المقاولون ورحلة غياب الهوية
من يتابع المباراة بدقة يلاحظ أن الأهلي دخل اللقاء من دون أن يفرض منطقه المعتاد على المنافس، غاب الضغط الفعال على حامل الكرة، وهو أحد أهم المفاتيح التي تسمح للفريق الكبير بفرض سيطرته مبكرا، كما بدا الانتقال من الحالة الدفاعية إلى الهجومية بطيئا ومفتقدا للسرعة المطلوبة.
وفي كرة القدم الحديثة، لا يكفي أن يمتلك الفريق لاعبين جيدين في مواقعهم، بل يجب أن تكون هناك منظومة حركة متكاملة، فاللاعب الذي يحمل الكرة يحتاج إلى خيارات أمامه، وتحركات خلف خطوط المنافس، ولاعبين يفتحون المساحات ويصنعون زوايا تمرير جديدة.
أما حين يقف اللاعبون في أماكنهم وينتظرون الكرة، فحتى أفضل لاعبي العالم يمكن أن يتحولوا إلى عناصر معزولة، وهذا ما بدا واضحا في أداء الأهلي، فالحركة من دون كرة كانت محدودة، وخيارات حامل الكرة قليلة، والكرة الثانية كثيرا ما ذهبت إلى المنافس، وهي تفصيلة قد تبدو صغيرة لكنها في الحقيقة من أهم مؤشرات السيطرة على المباراة.
هذه الصورة العقيمة جعلت من سفيان بنجديدة أبرز المتضررين من هذه الصورة، لأن المهاجم لا يمكنه صناعة الخطورة وحده إذا لم تصله الكرات في المساحات المناسبة، وإذا لم تتحرك خلفه وحوله منظومة هجومية تساعده على مواجهة دفاع المنافس. ورغم أن الحلول الفردية جزء هام في منظومة كرة القدم، إلا أن المهاجم ليس ساحرا يستخرج الفرص من العدم في كل مباراة، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من استرجاع الكرة، ثم بناء الهجمة، ثم صناعة المساحة، ثم التمريرة الحاسمة.
مسؤولية الإدارة
ومن وجهة نظري، فإن الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذا التراجع لا ينبغي أن يُلقى على اللاعبين وحدهم، لأن الإدارة هي التي تضع الإطار العام الذي يعمل داخله الفريق.
وقعت إدارة الأهلي في فخ تنظيمي خطير عندما تصورت منح المدير الفني صلاحيات مطلقة منهج احترافي وقررت أن تلزم به.
ورغم إن منح المدير الفني صلاحيات واسعة أمر طبيعي ومطلوب في الأندية الكبرى، لكن الصلاحيات لا تعني غياب المراجعة والمحاسبة، فكرة القدم الاحترافية لا تقوم على فكرة أن المدرب يقرر كل شيء ثم لا يُسأل عن نتائج قراراته، بل تقوم على منظومة تضم إدارة فنية، ولجنة تخطيط، وتحليلا مستمرا للأداء، ومراجعة للصفقات والاحتياجات والمراكز.
لقد كان الأهلي عبر تاريخه قويا، ليس فقط بسبب جودة لاعبيه، وإنما بسبب وجود منظومة تعرف متى تتدخل ومتى تترك الجهاز الفني يعمل، أما ترك الأمور للتجريب المستمر من دون تقييم حقيقي، أو الانتقال من رؤية فنية إلى أخرى كلما تغير المدير الفني، فإنه يخلق حالة من عدم الاستقرار حتى لو كانت قائمة اللاعبين تضم أسماء كبيرة.
وهناك ملف آخر لا يقل أهمية، وهو ملف الخبرة داخل غرفة الملابس. فقد خسر الأهلي، عبر سنوات متتابعة، عددا من اللاعبين الذين كانوا يمثلون أكثر من مجرد أسماء في التشكيل؛ بداية من حسام عاشور، مرورا بوليد سليمان، ثم عمرو السولية، وصولا إلى رامي ربيعة.
هذه الأسماء كانت تمثل ما يمكن تسميته بـ”ذاكرة الفريق”. فاللاعب المخضرم لا يمنح فريقه تمريرة جيدة فقط، بل يمنحه القدرة على التعامل مع الضغط، وقراءة اللحظات الصعبة، وضبط إيقاع المباراة وإيقاع غرفة الملابس، وتوجيه اللاعبين الأصغر سنا.
في المباريات الكبرى، كثيرا ما يكون الفارق بين فريقين متقاربين فنيا هو وجود لاعب يعرف متى يهدئ المباراة ومتى يرفع سرعتها، ومتى يطلب الكرة تحت الضغط ومتى يقتل هجمة المنافس، وهذا النوع من القيادة لا يمكن تعويضه بسهولة مهما كانت موهبة العناصر الجديدة.
عموتة والتجريب الذي تحول إلى مشكلة
لا يمكن إنكار أن المدير الفني عموتة يمتلك خبرات كبيرة وتاريخا طويلا في العمل التدريبي، ومن الطبيعي أن تكون لديه أفكار يريد تطبيقها ورؤية خاصة لبناء الفريق. كما أن أي مدرب يحتاج إلى فترة من التجريب للوصول إلى التوليفة المثالية.
لكن الفارق كبير بين التجريب باعتباره وسيلة للوصول إلى الحل، وبين الإصرار على حل أثبت الملعب مرارا أنه لا يعمل.
مباراة المقاولون العرب قدمت نموذجا واضحا لذلك، خصوصا في تركيبة خط الوسط التي ضمت زيزو ومروان عطية وعلي محمود.
هذه الثلاثية لم تنجح في فرض السيطرة المطلوبة، ولم تحقق التوازن بين الواجبات الدفاعية والقدرة على صناعة اللعب.
خط الوسط هو غرفة العمليات في كرة القدم، فإذا فقد الفريق السيطرة في هذه المنطقة، يصبح الدفاع تحت ضغط مستمر، وينعزل المهاجمون في الأمام، وتتحول الهجمات إلى محاولات فردية غير منظمة.
ومن هنا فإن إعادة النظر في بعض الاختيارات ليست انتقاصا من المدرب، بل هي جزء من طبيعة العمل الاحترافي، فالمدرب الكبير ليس هو الذي لا يغير قراره، وإنما الذي يمتلك الشجاعة للاعتراف بأن فكرة ما لم تنجح، فيبحث عن بديل قبل أن تتحول المشكلة إلى عادة.
فمثلا كان أداء زيزو واحدا من أبرز الأمثلة على مشكلة التوظيف الفني، فاللاعب يمتلك قدرات واضحة في صناعة الفارق، لكنه يحتاج إلى المساحة والموقع اللذين يسمحان له باستخدام هذه القدرات.
حين يُنقل اللاعب بعيدا عن المنطقة التي يستطيع فيها استقبال الكرة ومواجهة المنافس وصناعة التفوق، يصبح وكأنه يؤدي دورا لا يشبهه، لذلك لا غرابة في أن زيزو بدا في فترات من المباراة بعيدا عن مناطق تأثيره المعتادة، فتراجع حضوره، وانعكس ذلك على شكل الفريق كله.
المشكلة هنا ليست في زيزو وحده، بل في سؤال أكبر: هل نبني طريقة اللعب وفقا لأفضل ما لدى اللاعبين، أم نطلب من اللاعبين أن يتخلوا عن أفضل ما لديهم من أجل تنفيذ فكرة جامدة؟
الأندية الكبيرة تعرف كيف توظف نجومها. والمدرب الناجح لا يضع اللاعب في مكان لا يناسبه ثم ينتظر منه أن يقدم أفضل نسخة من نفسه، بل يبحث عن المعادلة التي تجعل موهبة اللاعب جزءا من الحل الجماعي.
ثم يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا عن النجوم الذين يمتلكون القدرة على صناعة الفارق في لحظة واحدة؟ فكرة القدم لا تُحسم دائما بالخطط المثالية، هناك مباريات تصل إلى مرحلة تحتاج فيها إلى لاعب يكسر القاعدة، ويراوغ مدافعا، أو يمرر كرة لا يراها الآخرون، أو يسدد من موقف لا يبدو واعدا، أو يحصل على ركلة جزاء، أو يصنع الفارق من كرة ثابتة، أو يغير شكل المباراة بلمسة واحدة، فهذه هي قيمة “أصحاب الحلول الخاصة” التي لا أعرف لماذا يصر المدربون المتعاقبون على تجاهلها، بل وقتل كثير من المواهب بالتجاهل وسوء التوظيف.
والغريب أن الأهلي، في وقت يعاني فيه الفريق من صعوبة في صناعة الفرص وغياب الابتكار الهجومي، يصر الجهاز الفني في بعض الأحيان على عدم منح هذه العناصر المساحة الكافية.
لا أحد يطالب بأن يصبح الفريق رهينة للمهارات الفردية، لكن تجاهل اللاعبين القادرين على فك الشفرة الدفاعية للمنافسين يمثل بدوره قرارا يحتاج إلى تفسير.
الفريق الكبير يحتاج إلى النظام، لكنه يحتاج أيضا إلى الاستثناء، يحتاج إلى التنظيم الجماعي، لكنه يحتاج كذلك إلى اللاعب الذي يستطيع أن يفعل شيئا مختلفا عندما تفشل الحلول التقليدية.
أزمة الأهلي، إذن، ليست أزمة لاعبين فقط، وربما ليست أزمة لاعبين في المقام الأول، فالقائمة تضم أسماء تمتلك الجودة والقدرة، لكن السؤال هو: هل يتم اختيارها وتوظيفها وإدارتها بالطريقة الصحيحة؟
جمهور الأهلي لا يخشى خسارة مباراة، لأن كرة القدم لا تعرف فريقا لا يخسر، ما يقلق الجمهور حقا هو أن تتحول الأخطاء إلى نهج، والتجريب إلى سياسة، وتراجع الهوية إلى أمر معتاد.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة بين الإدارة والجهاز الفني، فالإدارة مطالبة بمراجعة منظومتها وقراراتها، والجهاز الفني مطالب بقراءة ما يقوله الملعب لا بما يريد أن يراه في أفكاره.
فالأهلي لا يحتاج بالضرورة إلى البحث عن أزمة جديدة، بقدر ما يحتاج إلى الاعتراف بالأزمة الموجودة: أزمة قرارات، وأزمة توظيف، وأزمة استقرار في الرؤية.
وعندما تُصحح القرارات، قد يكتشف الجميع أن كثيرا من الحلول كانت موجودة بالفعل داخل الفريق، لكنها كانت تنتظر فقط من يعرف كيف يستخدمها.
القراءات
وسوم
شارك باقي الأهلوية
شارك بتعليق
